يسوع في رسالة الوداع: أحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا من كلِّ القلب!
تأمل أربعاءِ الصوم
الكاردينال لويس روفائيل ساكو
يَمرّ عالمُنا بوضعٍٍٍٍ صعبٍ للغاية: انقسامات وصراعات وحروب ومخاوف، وتضليل الحقائق على وسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي وباسماء مستعارة. مع ذلك يؤكد يسوع ان المحبة قيمةٌ حقيقيةٌ، تؤثرعلى الحياة العامة، وتعزز العلاقات والسلام. وان الناس عندما يُحبِّون بعضُهم بعضاً بصدق، ويثقون ببعضهم، يولد شيءٌ عظيم، وتتغير أمورٌ كثيرة.
كلمات يسوع هذه جاءت في إطار العشاء الأخير الوداعي. انها بمثابة وصيّته الاخيرة لتلاميذه ولنا جميعاً: المحبّة أساس المسيحية لان “الله محبّة”، وعلى الكنيسة ان تكون محبّة ورسالتها محبّة. المحبة تقوم على الصداقة الحقيقة، وليس على المصالح أو الشعارات الجميلة. روحانية المحبة تملأ القلب بالراحة والطمأنينة!
” أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة:أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً. إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي.. فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِداً:كَما أَنَّكَ فِيَّ، يا أَبَتِ، وأَنا فيك فَلْيكونوا هُم أَيضاً فينا لِيُؤمِنَ العالَمُ “( يوحنا 13/24-25، 17/21).
عند قراءتنا لهذا النص نَندهش من طابعه المكثّف والموجز في آنٍ معًا. هذه الآيات تنقل رسالة مزدوجة: التطلع إلى الله المحبة، والتطلع إلى محبة الناس. الله هو في المركز، يحقق السلام والعدالة في العالم، ويُشجَّع المسيحيين على أن يكونوا “أنبياء المحبة وخدام المصالحة ” في قلبِ عالمٍ ممزق.
من هذه المحبة الإلهية يَستلهم المسيحي كيف يُحبّ قريبَه بنقاء القلب، وأن يقبله كما هو في ملء كيانه حتى عندما يخطأ، من دون استخفاف وانتقام وتشفٍ. المحبة ليست حبّ “الإنسان النظري” الذي يقدمه الفيلسوف نيتشه، ولا الجنس البشري بوجه عام، بل المحبة نعبر عنها لانسان محدّد من لحمٍ ودمٍ نَعرفه، قبل أن تفيض على مساحة أوسع.
في العشاء الأخير – الذي فيه أسّس يسوع سرّ الإفخارستيا، سرّ المحبة، يركز على ان العيش جيدا يعني ان نُحب ونعمل الخير للناس لاسيما في الأوقات الصعبة، وأن عدم فعل ذلك يُعدُّ شرّاً!
يقدم الانجيل تعليماّ مزدوجا عن المحبة: يتعلّق الأول بالمحبة “الوصية الجديدة” التي يقوم عليها سرّ الثالوث الأقدس، والثاني على الوحدة، أي ان نكون متحدين لا منقسمين.
جمع الإنجيلي يوحنا هذين التعليمين في سياقٍ واحد، ليعكس كلٌّ منهما الآخر ويكون تعليماً يُلهم الإنسان المحبةَ الصادقة، والوحدة على مثال محبة الله ووحدة الثالوث التي هي فوق كلّ الحدود.
موعظة استفزتني
كان قد مرّ على رسامتي الكهنوتية بضعة أشهر، عندما حضرت عظة كاهن أكبر مني، جاء فيها: “يجب ان نحبَّ كلَّ الناس! وعندما انتهى القداس، سألته باستغراب: أبونا، كيف نُحبُّ كلَّ الناس؟ من هم هؤلاء الناس؟ كيف نُحبُّ من لا نعرفهم ؟ استغرب من سؤالي. واستأنفتُ الكلام. أبونا، الله وحدَه يَستطيعُ أن يُحبَّ كلَّ الناس، لأنه يعرفهم، أما نحن فعلينا ان نحب من نعرفهم، من نعيش معهم في البيت و كنيسة الرعيّة والعمل والجيرة أو نلتقيهم. لم يرد! لربما لأنه لم يقتنع بكلامي، بالرغم من انه كان فاضلا.
نصلي في مساء أيام الصوم بحسب الطقس الكلداني، من اجل:” ألا تزول المحبة بيننا الى نهاية العالم”. إني اؤمن بأن الذين يُحبون سيموتون، لكنهم يبقون أحياء، بينما الأشرار أمواتٌ ولو أنهم على قيد الحياة.
” الأَشْرارُ كالعُشْبِ نَبَتوا ..فما ذلِكَ إِلاَّ لِيُستَأصَلوا أَبدًا”(مزمور 92/8). ام “البارّ كالنَّخلِ يَسْمو ومِثلَ أَرزِ لُبنانَ يَنْمو”(مزمور 92/13).
