معجزة الأعمى منذ الولادة، ولادة جديدة ونور جديد
تأملُ أربعاءِ الصوم
الكاردينال لويس روفائيل ساكو
تقدّم معجزةُ شفاءِ الأعمى منذ ولادته شهادةً غنيَّة للغاية لايماننا المسيحي، لعلاقتها برواية الخلق كما جاء في سفر التكوين.
” وبَينَما هو سائِرٌ رأَى رَجُلاً أَعْمى مُنذُ مَولِدِه. فسأَلَه تَلاميذُه: رابِّي، مَن خَطِىءَ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟.أَجابَ يسوع: لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله.. قالَ هذا وتَفَلَ في الأَرض، فجَبَلَ مِن تُفالِه طيناً، وطَلى بِه عَينَي الأَعْمى، 7ثُمَّ قالَ له:ذهَبْ فَاغتَسِلْ في بِركَةِ سِلوامَ، أَي الرَّسول. فذَهَبَ فاغتَسَلَ فَعادَ بَصيراً. فقالَ الجيرانُ والَّذينَ كانوا يَرونَه مِن قَبلُ لأَنَّه كانَ شحَّاذاً:أَلَيسَ هو ذاكَ الَّذي كانَ يَقعُدُ فيَستَعْطي؟ وقالَ آخَرون: إِنَّه هو. وقالَ غَيرُهم: لا، بل يُشبِهُه. أَمَّا هوَ فكانَ يقول:أَنا هو” (يوحنا 9/1-9).
العجائب تمنحنا الفرح، وتعزز الرجاء، وتدعو الى تجديد الثقة بالله.
ما طبيعة هذا العمى؟ هل هو مجرد مرض يندرج ضمن اختصاص الطبيب؟ أم هو تَشوّه وراثي تتحمَّل مسؤوليتَه جينات أُسرته؟ يقدّم يسوع جوابًا حاسمًا: هذه العاهة لا الأعمى مسؤولٌ عنها ولا أسرته. لاحظها والداه عند ولادته.
عينا الأعمى ببساطة غير موجودتين. وبالنسبة ليسوع، لا يتعلق الأمر بتعويض نقص جسدي عبر شفائه، بل بخلقه، ليكتمل هذا الإنسان.
فعل الخالق في سفر التكوين: يَصف سفر التكوين، بصيغة موجزة خلق الإنسان:” وجَبَلَ الرب الإله الإنسان من تراب الأرض…” (تكوين 2/ 7). إذًا، يخلق الله أولًا المادة، ثم يُبلّلها ليشكّل منها هيئة يَمنحُها الحياة.
معنى ما قام به يسوع
إذا أخذنا في الاعتبار طريقة الخلق في سفر التكوين، نفهم بشكل أفضل الحركات التي قام بها يسوع، والتي يذكرها إنجيل يوحنا بتفصيلٍ مقصود. صنع طينًا من لُعابه، واستعمله ليمنح الحياة لهاتين العينين. انه في الواقع يستأنف عمل الخالق، عندما أعطى الحياة لآدم.
لا ينبغي اعتبار هذه المعجزة «خرقًا» لقوانين الطبيعة؛ بل تحقيقاً لخلق مستمر بإصرار، رغم كل ما يُعيق مسيرتَه. ورغم الطابع العجائبي، فإن هذا الخلق ليس بمنأى عن الشر، لأن يبقى الأعمى معرضًا لخطر أن يُعمى مجددًا بالخطيئة، اذا لم يتبع النور الجديد! ولأجل أن يُشفى، أمره يسوع أن يذهب إلى بركة سلوام ليغتسل بماء نقي. وكما يطهّر ماءُ المعمودية النفس من الخطايا، فإن هذا الماء ينظّف عينيه من آثار الطين التي تعوق رؤيتَه الصحيحة. هذا الماء هو ولادة جديدة “من عَلُ” كما قال يسوع لنيقوديموس (يوحنا 3/3)، ونورٌ جديد.
ما لم يفهمه الفريسيون
لم يستطع الفريسيون فهم عمل يسوع، لأنهم يفتقرون إلى العمق اللاهوتي. لم يريدوا أن يعترفوا بأن في مقدور يسوع ان يخلق. يستخدم يسوع سلطانه الإلهي ليفتح عيني الأعمى من خلال مشهدٍ مليءٍ بالرموز: الأعمى جالس على جانب الطريق، أي الى جانب طريق يسوع، بينما يسوع سائرٌ يعِظ ويعمل الخير. المقصود بالطريق هو تعليم المسيح “أنا الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14/6). ومن لاحظ حالة الأعمى ونظر إليه باهتمام هو يسوع: “وفيما هو يجتاز رأى إنساناً اعمى منذ ولادته”. إنها لحظة لقاء شخصي غيّر كلَّ شيء. هذا الشخص كما الأخرون الذين شفاهم يسوع، نال نعمة نور العين والروح – الإيمان، فانقلبت حياته. وحمله الشفاء إلى اتباع يسوع.
الأعمى مثال المؤمن الشُجاع
الرجل الأعمى يرمز الى العالم الأعمى الرافض نور المسيح وتعليمه. طريقة الشفاء إشارة واضحة إلى المعمودية: الخلق الجديد “طلى بالطين عيني الأعمى.. وأرسله ليغتسل في بركة سلوام”، وتعني بركة المُرسل، و يغدو الماء العادي ماءً حيّاً. فالنور هنا هو نور المعمودية الذي نعيش على ضوئه.
الناس في دهشة أمام المعجزة: يسألون:” أليس هذا هو الذي كان يجلس ويستجدي”. يحسم الأعمى الجدل بشجاعة قائلا: “أنا هو، هو فتح عينيّ”. ويقدمه الإنجيلي الى الجماعة المسيحية الأولى ولنا الخائفة نموذجاً للمؤمن الشجاع.
