ليُضيء نورُكم (إيمانُكم) أمام الناس
الكاردينال لويس روفائيل ساكو
الآية أعلاه جزءٌ من موعِظة يسوع على الجبل بحسب انجيل متّى (5/ 16 ).
المسيحيون معنيون بهذه الموعظة بالغة الاهمية، حيث يواجهون لامبالاةً دينية، وتراجعاً أخلاقياً مقلقا. نحن في زمن الصوم الكبير يدعونا يسوع لنعيش في النور، وألاَّ نترك الظلمة تغلب على النور، لان الكذابين يعملون على خداعنا بتقديم حقائق وهميّة.
يستعمل يسوع في رسالته الجديدة كلمات بسيطة مفهومة في تنشئة الناس، ومن ظمنهم تلاميذه قيادييِّ كنيسة المستقبل: الملح الذي يُعطي الطعام نكهة ويعمل من أجل نمو البذرة، والنور الذي يُضيء.
استمر تعليمُ يسوع خمسة أيام كاملة. وكان الناس يحتشدون لسماع كلماته بشغف، لانهم وجدوا فيها معنى وطعماً لحياتهم . تعليم شفوي، وكلمات من الصميم، تنتقل من الواحد الى الآخر، وتتكرر في المجتمع وبين العائلات. وكان لها صدىً طيباً.
يعلمنا يسوع نحن الأساقفة والكهنة ان نعدَّ مواعظنا أعداداً جيدا، واضحة، مفهومة، وبكلمات بسيطة وقصيرة ومؤثرة.
خُصص اليوم الأول لإعلان التطويبات التي تتقاطع مع المنطق البشري. استخدمها يسوع عن قصد ليُحدث تغييرًا جذريًا في القلوب، ويهيّئ الناس للدخول في سرِّ ملكوته.
” طوبى للمساكين، طوبى لِلوُدَعاء، طوبى لِلحزانى،طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إِلى البِر، طوبى لِلرُّحَماء، طوبى لأَطهارِ القُلوب، طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام، طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ” ( متى 5/3-11).
تعليم التطويبات مختلفً عمّا اعتاد الناس في زمانه على سماعه في المجامع، حيث تعلّموا الالتزام الحرفي الدقيق بالشريعة لبلوغ الكمال الديني. أما تعليم يسوع يسعى للوصول إلى أعماق القلب، ليمنح كل إنسان دعوة شخصية مميزة تمكّنه من الشهادة بفرح، لكلمته من خلال حياته اليومية. من هذا المنطلق يكتب الرسول بولس: “ هو الَّذي مَكَّننا أَن نَكونَ خَدَمَ عَهْدٍ جَديد، عَهْدِ الرُّوح، لا عَهْدِ الحَرْف، لأَنَّ الحَرْفَ يُميتُ والرُّوحَ يُحْيي (2 كورنتس 3/ 6).
جسّد يسوع تعليمه بهذين الرمزين: ملح الأرض ونور العالم
ملح الأرض:
عبارة “أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ” (متى 5/ 13)، تُشير إلى دور المؤمنين في حفظ العالم من الفساد الأخلاقي، وإعطاء نكهة، ومعنى للحياة من خلال الإيمان والمحبة، والرجاء والسلام، في عالم يسوده القلق والاحباط، تماماً كما يَحفظ الملحُ الطعام ويُطيّبه. ويحذر بالتالي المسيحيين من فقدان اصالة رسالتهم وتلقائيتها وقوتها قائلاً: “إن فسد الملح فبماذا يملح”.
علق السيد محمد الساعدي على الفيديو القصير عن الهوية الكلدانية المنشور على موقع البطريركية بعبارة مؤثرة جدا، أتمنى أن يفهمها المسيحيون : “العراق بلا اخواننا المسيحيين كالحياة بلا هواء”.
ملح الأرض، إشارة أيضاً الى السماد الذي يساعد البذرة على النمو وإعطاء الثمر. هكذا يشبّه الإيمان بالبذرة التي تحتاج إلى رعاية مستمرة، ينمو ويقوى عبر تجارب الحياة، فينتقل إلى الآخرين ويؤتي ثماره فيهم.
النور:
أ.على قمة جبل
النور الذي يُشعل على قمة جبل. الإيمان هو النور” كلمتُك مصباحٌ لخُطاي ونورٌ لسبيلي”(مزمور 119)، الذي لا ينبغي أن يُحصر في الحياة الخاصة، بل على المؤمنين أن يُظهروا إيمانهم بوضوح، حتى يُسهموا في تجديد القيم في المجتمع.
ب النور داخل البيت
السراج فيه فتيل يُغذّى بالزيت للانارة، ويوضع على مكان مرتفع حتى ينير من هم في البيت، أي ليضيء العلاقات بين أفراد العائلة: لا يُوقِدُ أَحَدٌ سِرَاجًا وَيَضَعُهُ فِي خِفْيَةٍ، وَلَا تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ، حتى يرى الجميع النُّورَ.” (لوقا11/33).
يبدأ انتشار البشارة ونمو الكنيسة أولًا من خلال ايمان المسيحيين في علاقاتهم داخل البيوت، وفي قلب العائلات، ثم ينعكس على من هم يحيطون بهم.
” فيه الحياة وفيه النور، هللويا هللويا”
