طوبى لنا بمصافنا الأسقفي الواعد
نوئيل فرمان السناطي
في سابقة نوعية نقف هذه الأيام امام مصاف يافع مبارك من الأساقفة الكلدان، ومعهم باقة من أساقفة، سبقوهم بنحو عقد او بضع العقد من السنين ممتثلين إلى التقاعد كمرحلة عطاء من نوع آخر… وهم يذكرونا بأحد أوائل من قاموا بخطوة التقاعد، مثل خالد الذكر، المطران الراحل قورلوس عمانوئيل بني، رئيس أساقفة الموصل للسريان، إذ دشن في عهده مرحلة غير مألوفة، في التقديم على التقاعد، في عرف كان لزمن، يجعل الحبر عموما يبقى على الكرسي مدى الحياة، وكذا الامر مع مار بندكتوس 16، بسابقة تقاعده على مستوى بابوات روما.
هكذا قام الكاردينال لويس روفائيل ساكو، بالانسحاب على رؤوس الأصابع، مستقيلا في محيط قريب من سن التقاعد للتفرغ للصلاة والكتابة، وقبل أن يطعن به السن؛ وهي خطوة لعلها تشكل في ظل الظروف الحالية درسا بليغا للهيراركية الرومانية، وبما يشكل عنده كرأس أعلى للكلدان، الندية المستقلة تجاه المجلس الحبري للكنائس الشرقية. فهو يضع الثقة، بيد جيل جديد من الاحبار الشباب، ليختاروا بهدي من الروح القدس من يقود دفة الكنيسة الكلدانية. والشيء بالشيء يذكر، فمن جانبها كنيسة المشرق الآشورية الرسولية اتخذت النهج ذاته، مع تقاعد مار كوركيس صليوا البطريرك الاشوري شرفا، ليضطلع بخدمة كنيسته حبر ومصاف أساقفة بدماء جديدة.
وبهذا الصدد يجدر بالذكر، أنه منذ الاتفاق المسيحاني الكريستولوجي بين الراحل الكبير مار دنخا الرابع والبابا القديس يوحنا بولس الثاني، رفعت الحرومات ما بين هذه الكنيسة الرسولية، كما الشأن مع غيرها من الكنائس الرسولية، وما بين الكنيسة الرومانية. وهذا يجعل الكنيسة البطريركية الكلدانية، إلى جانب تطابقها مع الكنائس الرسولية غير الرومانية أو الكنائس البطريركية الاخرى، تشترك بوحدة كريستولوجية مع بعضها. وأن الفارق الذي يسم الكنائس الكلدانية والسريانية والقبطية وغيرها، بأنها تشترك مع روما بآلية إدارة تكاد تكون إدارية، بدون أن يكون ثمة، لا سامح الله، نظرة بيروقراطية عليا من أي من الجانبين.
وإن قرابة السنة السبتية، التي كنت امضيتها، أواخر 2018 ,منتصف 2019، في خدمة البطريركية، أظهرت لي، كيف كان التعامل على قدم وساق واحترام للهيراركية، بين السفير البابوي تجاه البطريرك، بدون ان تكون ثمة، ما كان يخيل للمرء، من وصاية عليا، بل ثمة ما يلامس طريقة تسلم وتسليم البريد، بين الكنائس البطريركية وبين كرسي روما.
هكذا نلمس أيضا الاستمرار المواقف السيادية لمار لويس ساكو، إلى جانب المراعاة المتوازنة والواعية تجاه الجانب الهيراركي مع روما. لا نعرف من التفاصيل أكثر مما يعلن بشأن التداولات ما بين كرسي روما، والكنيسة البطريركية الكلدانية وغيرها؛ لكن السادة أحبارنا ورعاتنا الأجلاء، لنا الثقة بأن ما يعرفونه من تفاصيل، يجعلهم كما هو عهدنا بهم، يعيشون بسمو شركة الوحدة الكريستولوجية، ويتعاملون بشركة الرسل الأولين، مع سائر أحبار الفاتيكان وهيراركيته. ولا بدّ وأنهم بإلهام الروح القدوس، أدرى من يحسن التعامل المسيحي في ظل مختلف الظروف، ولا يفتقدون إلى الجرأة في المطالبة المستمرة بوضع الأمور بنصابها، بما في ذلك، اذا اقتضى الامر، أو كانت ثمة حاجة إلى ذلك، بأن يطالبوا برد الاعتبار إلى هذا الحبر أو ذاك. ولكي يكون الخطاب اكثر وضوحا ومباشرة، فإن ما يجري من تحقيق بشأن سيادة المطران عمانوئيل شليطا، إذا انتهى التحقيق، وهذا هو العشم بإذن الرب، إذا انتهى التحقيق لصالحه، خلوا من أدلة في الإدانة، وتأكيدًا لحسن النية في التصرف المالي، فإن هذا الحبر، على سبيل المثال لا الحصر، يستحق رد الاعتبار. إضافة إلى المحافظة على الحصانة الإدارية، ومسؤولية البت في شأن البيت الكنسي الكلداني يكون لها الحيز المناسب، عدا الحالات التي يقتضى الامر الاحتكام في هذه النقطة او تلك إلى هيراركية كرسي روما.
وبعد، ما أجمل أن يرتمي المؤمنون كهنة وعلمانيون بثقة عميقة في رعاية هؤلاء المباركين، في استجابتهم لأي من يختارون من بينهم بهدي من الروح القدس، وباستسلام تام لكلام المخلص الفادي، أنه سيكون معنا مدى الأيام.
