يسوع للمجدلية، عمّن تَبحثين؟
الكاردينال لويس روفائيل ساكو
تأمل لعيد القيامة
يطرح يسوع سؤالاً وجوديّاً على مريم المجدلية وعلينا: عمّن تَبحثين، تبحثون؟
من طبيعة الانسان ان يبحث عمَّن يُحِبُّه، ويُكَمٍّلُهُ،” نفرح به ويفرح بنا” (ترتيلة صباح الاحاد في الطقس الكلداني) .
بالموازاة، من طبيعة المؤمن ان يبحث عمّن يكشف له هدفاً عظيماً يُحقق وجودَه، ويقوده الى ملء الحياة. القيامة أُمنيةُ كلِّ أنسان، وأساسُ رجائه. وقيامة المسيح عربونُ قيامةِ كلِّ المؤمنين. القيامة التي يرجوها المسيحي لا تخص نفسه وفق ثنائية الروح والجسد الفلسفية، بل شخصَه، بكل ما أُتيح له أن يُصبح ما هو عليه.
يَعرض علينا إنجيل عيد القيامة (يوحنا 20/11/18) مثالاً رائعاً عن هذا البحث – الشغف في شخص مريم المجدلية.
“أَمَّا مَريم، فكانَت واقِفَةً عِندَ القَبْرِ في خارجِه تَبْكي. فَانحَنَت نَحوَ القَبرِ وهِي تَبكي، فرأَت مَلاكَينِ في ثيابٍ بيضٍ جالِسَينِ حَيثُ وُضِعَ جُثمانُ يسوع، أَحَدُهما عِندَ الرأس، والآخَرُ عِندَ القَدَمَين. .. ثُمَّ التَفَتَت إِلى الوَراء، فرأَت يسوعَ واقِفاً، ولَم تَعلَمْ أَنَّه يَسوع. فقالَ لَها يسوع:((لِماذا تَبْكينَ، أَيَّتُها المَرأَة، وعَمَّن تَبحَثين؟ .. فظَنَّت أَنَّه البُستانيّ فقالَت له: سيّدي، إِذا كُنتَ أَنتَ قد ذَهَبتَ بِه، فقُلْ لي أَينَ وَضَعتَه، وأَنا آخُذُه. فقالَ لها يسوع: مَريَم! فالتَفَتَت وقالَت له بِالعِبرِيَّة: رابُّوني! أي:يا مُعلِّم. فقالَ لها يسوع: لا تلمسيني . إِنِّي لم أَصعَدْ بَعدُ إِلى أَبي، بلِ اذَهبي إِلى إِخوَتي، فقولي لَهم إِنِّي صاعِدٌ إِلى أَبي وأَبيكُم، وإِلهي وإِلهِكُم. فجاءَت مَرَيمُ المِجدَلِيَّة وأَخبَرَتِ التَّلاميذَ بأَن: قد رأيتُ الرَّبّ. وبِأَنَّه قالَ لَها ذاكَ الكَلام” .
مريم المجدلية التي تمثل كلَّ النسوة التلميذات، في صمتِ روحهاِ، وقلبها، وصلاتِها، وآلمِها، ودموعِها، ورجائها، راحت تبحث عن مصير من أحبُّته، وتعلقت به، عمّن كان لها النور في منحها الايمان، والذي بقيَ حيّاً في قلبها.
مريم جسدت وفاءَها بالبحث عنه بروحها. انها تعلمنا الوفاء الذي للأسف، ليس رائجاً في مجتمعنا! الرائج هي المصالح!
مريم أسرعت الى القبر باكراً، فرأت ملاكين عند القبر، ثُمَّ التَفَتَت إِلى الوَراء، فرأَت يسوعَ واقِفاً فظَنَّته البُستانيّ*. قالَت له: سيّدي، إِذا كُنتَ أَنتَ قد ذَهَبتَ بِه، فقُلْ لي أَينَ وَضَعتَه، لأذهب وآخُذُه.
يُفاجؤها يسوع وجهاً لوجهٍ عن طريق صوتِه، عندما ناداها باسمها الشخصي: ” مريم” وليس : “يا امرأة”، فتعود تناديه على الفور وبدهشة:” رابوني” أي يا معلمي. فتحولت دموعُها الى فرح غامر عندما أدركت ان الذي كانت تبحث عنه بشوق ها هوذا حيٌّ امامَها، ولم يَغلِبه الموت.
مريم في غمرة فرحها حاولت بعفوية متدفقة أن تُعانقه، ولكن هيهات، فيسوع في حالة جديدة، لا يمكن أن يُلمس، لان العلاقة بعد قيامته علاقة ايمانية، فصحية وروحية. ومنذ الان وصاعداً تقوم العلاقة بينه وبين تلاميذه والجماعة المسيحية على الشراكة الإلهية :” الذي رأيناه وسمعناه، نخبركم به لتكون لكم شراكة معنا” (1 يوحنا1/3). هذه الشراكة تتأسس على قيامته. الموت ليس النهاية، بل عبور الى وجود جديد!
بعد هذا الحوار الحميمي، يُحَمِّل يسوع مريم، رسالة تبليغ تلاميذه بالحدث السار: “اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم أنى صاعد إلى أبي وأبيكم والهي وإلهكم” (20/17).
يقدم انجيل يوحنا مريم كأولى تلميذة تلتقي بالرب القائم، و أولى رسولة للقيامة. فالمرأة ناقلة للإنجيل ومبشرة بالمسيح كرفيقها الرجل، كونها أكثر ارتباطًا بالحدس والمشاعر والحياة الداخلية.
لم تؤمن المسيحية قط بدونيّة المرأة، ولا انها ناقصة العقل والدين، انما تؤمن أنها تتساوى بنفس كرامة الرجل، وان كلاهما صورة الله، وان ما يميزهما هو الخُلُقُ والعمل!
هذه إشارة واضحة لدعوة جديدة، وانتماء جديد وعلاقات جديدة وشركة جديدة من خلال السير نحو القيامة والحياة والتجدد.
حدث القيامة بطبيعته يثير قدرًا من صعوبة التصديق وسوء الفهم، مثلاً تلميذا عمّاوس. شهادة مريم المجدلية، والنسوة والترائيات للتلاميذ وموقف توما: :” إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن” (يوحنا 20/25)، فالقيامة دعوة جديدة، وانتماء جديد وعلاقات جديدة وشركة جديدة من خلال السير نحو القيامة والحياة والتجدد.
السؤال المطروح على كلِّ واحدٍ منا هو: هل نُدرك تماماً أن علينا الإبحار ضمن الجماعة إلى الأبعد، في طريق الحياة الذي يمر أحيانا عبر الصحراء وليال مظلمة (الصعوبات) وهي جزء من ولادتنا الجديدة؟ يقيناً ان الله يفاجئنا في الأخير، كما فاجأ مريم والنسوة والتلاميذ من خلال ترائياته.
قيامة المسيح تؤكّد أن المحبّة و الحق سينتصران في النهاية، مهما بدأ الشرّ قاسياًّ.
مع أطيب التمنيات بعيد القيامة لكم ولعائلاتكم ولبلدنا بحياة حرة كريمة وسلام واستقرار .
___________
* نجد صدى عميقا لهذا المشهد في ترتيلة القيامة: “أو كنانا كما شبير برديساخ” أيها البستاني ما أجمل بستانك، فيه قبر بخدر مزدان، القبر عليه الحراس والخدر حوله الملائك، هنيئا لك يا مريم لأنك تناديني بستاني..

