بأنتظار ان تشرق الدنيا أيضا ولا تظلم
ذكريات مع زميل تلمذة وبطريرك
الخورأسقف نوئيل فرمان السناطي
هذه رحلة ترجع بالسنين إلى منتصف الستينات، حيث عرفت فيها الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو، عندما كان تلميذ معهد مار يوحنا الحبيب، وصولا إلى اسقفيته في كركوك، وامتدت الرحلة حتى مرحلة بطريركيته.
ذكريات التلمذة الاكليريكية: كان التلميذ الاكليريكي لويس يتقدمني بصف واحد، وضمن الذين كانوا من وجبته: الشماس توفيق لوقا، الأسير لسنوات خلال حرب الجمهورية الإسلامية الايرانية على العراق، والتلميذ (البروفسور) أمير مجيد حراق، والتلميذ (المطران) يوسف حبش. ومن تلك الأيام أذكر انه كان لزامًا علينا التحدث بالفرنسية، ما عدا عطلة نهاية الأسبوع. وكان السياق عند التحدث بالفرنسية، ان نتخاطب بضمير الجمع: انتم vous، وليس بضمير الدالّة انت Tu ولكن عنّ لي بعد لعبة لكرة السلّة أن خاطبت الإكليريكي بضمير انت Tu فتفاجأ من ذلك بنبرة توبيخية. وأذكر فيما أذكر عنه، أنه كان ملتزما في الدراسة، وذا وقار سابق لذلك السن. وكان ذا تفوق ملحوظ مع طموح دارسي، قاده لا غرابة، إلى الدراسات العليا، للحصول على أكثر من شهادة عليا.
وكانت المسافة بين تلامذة ذلك الجيل، معتبرة بين الأقدم والأحدث، لحد نوع من التعالي لدى البعض، وقد برز في ذلك التعالي، المرحوم يونان هرمز، وأفصح عنه في غير مناسبة بنحو أقل ما يقال فيه المغالاة، وهو الذي أصبح فيما بعد المترجم الخاص والرفيق المقرب، لزعيم الثورة الكردية، القائد الراحل الملا مصطفى البرزاني. أما أبرز الاستثناءات بالنسبة لصغري، سنا وحجما، فكان مع الزميل الأكبر بسنوات، ومراقب قسم الصغار، فكان بلا مقارنة على الاطلاق، التلميذ “المطران” بطرس موشى، والذي خلال زياراتي الىى بلدته بغديدا، تصادف وأن ضيفني لأيام في بيتهم؛ والتلميذ “الأب” د. أفرام ججو عازار الدومنيكي، وكذلك التلميذ “المطران” يوسف توما الذي رسم لي يوما صورة غلاف لمنشور خطاب تهنئة قرأته لمدير “السمنير“الاب يوسف أومي الفرنسي الدومنيكي، لمناسبة عيد شفيعه القديس يوسف.. وتحمل الصورة رسما رمزيا للأب وهو يشير لتلميذه الطريق المؤدي الى صليب المسيح… أما التلميذ أمير حراق، فقد طاب له ان يمنحني دالّة طيبة، فكان الأخ المقرب بامتياز، مع تجاوز كلي لقدمية السنة بيننا. وقد ربطنا آنذاك مع عائلته قرب عائلي بحكم الجيرة، ومعرفة والدتي لهم، واخته نوال، وخصوصا اختهم الراهبة الراحلة أميرة، وهي مديرة المدرسة التي تركت التعليم، لتصبح من أخوات يسوع الصغيرات، لتشتغل عاملة في المستشفى، كما عشنا في المعهد، حدث الوفاة الصادمة لأخيه الشاب المرحوم شكيب.
ومن حيث الجيرة العائلية، كان لنا معرفة عائلية بأسرة التلميذ “الكاردينال” بحكم القربى التي جمعتنا ومعنا عائلة التلميذ “البروفسور” الراحل بهنام نيسان قريو، مع الراحلة أم لويس المنحدرة من قريتنا سناط. وأذكر فيما أذكر أن المرحوم والده كان من أبرز الشمامسة الذين عرفناهم أيام المرحلة الابتدائية، في كاتدرائية مسكنته، والذي كان يتعامل على قدم وساق من الندّية في المعرفة الطقسية مع كهنة الكاتدرائية. ومن حيث الدالة الأخوية بين الأكبر والاصغر، كان ثمة مدير التراتيل، ذو الصوت المتفرد بامتياز الشماس شمعون ميخائيل كوسا، والشهيد المغدور الاب يوحنا شير، وجمعتني مع السنوات معرفة عائلية وصداقة قريبة مع التلميذ (ربانا) صليوا “فوزي” عزيز. وقد جمعتني مع التلميذ لويس –التلاميذ المذكورين وغيرهم ممن لا مجال للتنويه عنهم– تواصلات طيبة طوال السنوات اللاحقة، خارج معهد مار يوحنا الحبيب للآباء الدومنيكان. ولو اتيحت الفرصة لكتابة الذكريات عن هذه المدرسة الرائعة بامتياز، لاحتلّ ذلك دفتي كتاب.
معا إلى مؤتمر بكفيا: أما انطلاق الزمالة الإعلامية مع الأب لويس، فكانت والحق يقال، مع خدمتي في مجلة الفكر المسيحي منذ منتصف التسعينات؛ نائبا لرئيس تحريرها الأب الدومنيكي (مار يوسف). هذه المجلة التي من خلالها عرفني الأب لويس عن كثب في توجهي الإعلامي، فبادر في مطلع الالفية الثانية، وقبل اسقفيته، إلى دعوتي لأن أرافقه في مؤتمر للتشبيك الإعلامي، لمجلس كنائس الشرق الأوسط في بكفيا لبنان، والذي كان فيه الأب لويس واحدًا من أبرز المحاضرين. وكان، برعاية ودية برقة أخوية متناهية، ينشئني لسياق المشاركة في المؤتمرات، بما في ذلك كتابة التقارير الإعلامية، او طريقة تحرير قوائم المصروفات؛ وبفضل تلك الرحلة، إضافة لما نهلته من مجلة الفكر المسيحي، كان الانطلاق لمشاركاتي الإعلامية مع الراحل الأب مارون عطالله، مدير مركز الدراسات السريانية بأنطلياس– لبنان، والإعلامي الأب طوني خضره، ومن ثم مشاركتي مع الأخير في عضوية الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة، وصولا إلى تأسيسنا إقليم شرق اوسطي للاتحاد، وتعييني نائبا لرئيس الإقليم المطران جان جنبرت متروبوليت حلب وتوابعها للروم الملكيين الكاثوليك (1995 – 2021). وإذ تزامن ذلك بعد أشهر من الوفاة المفاجئة للراحل الكبير الأب د. يوسف حبي، قال الأب مارون، نتعشم فيك ان تكون إعلاميا خليفة الاب الراحل يوسف حبي، ونعينك مراسلا في العراق لمجلة (حياتنا الليتورجية)، التي دعاني للكتابة فيها ضمن السياقات التي أنشأني عليها للكتابة في تلك المجلة.
مع المعاون البطريركي والبطريرك بيداويد: ثم توالى التعاون الإعلامي المشترك، مع مار لويس، في مجلة الفكر المسيحي، وفي تلك الغضون حدثت حالة تتعلق به، صرت طرفا فيها. كان ذلك في أحد أيام شهر آب، وكان رئيس التحرير، بإجازة سنوية خارج “القطر”. إذ ورد إلى المجلة اتصال هاتفي من مجلة نجم المشرق، يفيد ان البطريرك (مثلث الرحمات) مار روفائيل بيداويد طلب أن أذهب لمقابلته. وبدأ الاستغراب أصلا، أن الطلب وصلنا من خارج مقر البطريركية؛ فتوجهت إلى مقر البطريركية ليتلقاني في الباب، “مثلث الرحمات”المعاون البطريركي (البطريرك لاحقا) مار عمانوئيل دلي فرحب بي معانقا. مما جعلني احلل فيما بعد أن هذا الترحاب كان للتطمين الضمني، فيما معناه: (هينة... وستعبر ان شاء الله بالسلامة). وكان قد سبق وتهيأ لمار عمانوئيل وان أبدى التشجيع لي في خدمتي الإعلامية، إّذ بعد قداس الميلاد في دير راهبات الكلدان في المسبح، توجه مار عمانوئيل إلى مار روفائيل وبحضور الأم فيليب، وخاطبه بالقول: سيدنا، إن الشماس نوئيل يكتب مقالات جميلة في مجلة الفكر المسيحي، مشيرا إلى عدد أخير كنت كتبت فيه مقالا لباب أضواء على الأحداث.
صعدت إلى مكتب مار روفائيل فوجدته يسائلني، وبوجه يحمل الرصانة العميقة، بخصوص إصداء المجلة لشهادة قدمها في المعهد الكهنوتي الأب لويس ساكو، تحت عنوان: لماذا لا أزال كاهنا في الكنيسة (أيار/تموز 1999). وكانت المساءلة بشأن فقرة وردت في مطلع المقال، جاء فيها: “أبقى كاهنا لأني مؤمن بحضور المسيح في الكنيسة، بالرغم من شعور ينتابني أحيانا بكونه “نائم على وسادة في مؤخّر السفينة” تاركا للمصالح الشخصية والشكليات والمال أن تعمل عملها.“ فاستجمعت الشجاعة مع الدالّة كشماس انجيلي رسم بوضع يده قبل بضعة أشهر لأخاطبه بالقول: سيدنا هذا يمكن ان ينطبق على الكنيسة في العالم، وما يمر بها من تقلبات الظروف… وليس بالضرورة حول كنيسة محددة المكان.. كان يمكن للبطريرك ان ينهرَني، بالقول انه لا يحتاج إلى تفسيري لأوضاع الكنيسة في العالم، وأنه يعرفها أحسن مني؛ على أنه، متحليّا بذلك الحنو الابوي، أكتفى بالإجابة على الفور بأن هذه الفقرة هي استهداف شخصي له. وطلب أن نعقب بشأن ذلك في العدد اللاحق. قلت لغبطته، إن تشاؤوا سيدنا، أن تكتبوا ما ترون كتعقيب عن هذا الموضوع وننشره، قال: لا أنتم تكتبون. فعدت أدراجي، وكتبنا في العدد اللاحق للمجلة، فقرة توضيحية توفيقية، لا تخلو من شعور عميق تجاه الواقعة: من جهة، بصرف النظر عن الاعتقاد بأن ثمة جهة لفتت انتباه مار روفائيل او لم تفعل، فإن تعامله الأبوي المعتبر معي، كان مؤثرا. ومن جهة أخرى، لمست تلك التقييدات المفروضة صراحةعلى المجلة في مسيرتها الحرة كمجلة إعلامية مسيحية، وأنها ليست فقط منشورأً روحيا تقويا. وفي كل حال، فإن ذلك أتاح للمجلة ان تبقى منبرا للرأي والرأي الآخر، من خلال نشر الرأيين. وهذه فرصة أحيي فيها الآن، مجلة نجم المشرق الغراء، برئاسة تحريرها وكادرها العلماني الكفء والمسكون بالروح الانجيلية وتعاونها المنسجم أسرة تحرير وكادر مجلة الفكر المسيحي المجلة المسيحية الأولى في العراق المعاصر.
أما عن العتب، فأذكر ان البطريرك الراحل كان قد رقد في مستشفى العلوية، لمدة أيام للعلاج. وعندما زرته، عبر عن عتب راوده، وهو على فراش العلاج: يا نوئيل هناك من يسكنون على مقربة من المستشفى ولم يزوروني بعد. وفهمت ان الانسان، في أي موقع كان، يبقى متحسسا، خصوصا في أيام المرض، تجاه من لا يسأل عنه.
الرسالة على صورة الورد: وعن ذكرى أخرى إعلاميا، مع مار لويس، فإني ما زلت أحتفظ من عام 2001، برسالة اخوية كتبها على ظهر صورة لزهرة من ورد الجوري، وصفها بالصورة الجميلة بامتياز magistrale وتحمل كلمات بالإيطالية Come fiore protesoverso il sole, cosi, Signore, il mio cuore cerca il tuo perdono وهي تعني: “كما الزهرة تتجه نحو الشمس، هكذا يا رب، يبحث قلبي عن غفرانك“. تعلقت تلك الرسالة، التي حملت توقيع “أبونا لويس” بكتاباته في المجلة، والسياقات التي يتطلع إليها في النشر، بدون بتر أو اختصار، مع إرساله مقالا عن الإصلاح في الكنيسة، تمنى أن ينشر كما هو. ومن ناحية أخرى ذكر في الرسالة انه تداول بشأني مع المطران اودو، الذي أخبره أن البطريرك (مار عمانوئيل) اقترح عليّ الرسامة الكهنوتية، وهو اقتراح كنت اعلم كان يتردد أمام مار عمانوئيل ضمن تمنيات مُحبّة من الأخت العزيزة الأم فيليب قرما لدى خدمتي لقداديس البطريركية في دير راهبات الكلدان في المسبح. فرأى أبونا لويس في تلك الرسالة القصيرة،ان أتريث في هذا المجال لاستمرار خدمتي في المجلة، مشيدا بما لي فيها من باع طويل ورسالة. وختمها بالقول: أتمنى في المستقبل أن يتم تقييمك كما تستحق وتصير كاهنا وتعمل في مجالك.
الرسامة الأسقفية ودالّة جيل جديد من الأساقفة: حضرت الرسامة الأسقفية للمطران لويس في دير مار كوركيس، الكائن بقرب بيتنا في الحي العربي؛ وكنت أقوم خلال الرسامة بالخدمة الشماسية، وكان أحد أقاربه (ك. ر.) قد لاحظت باني في سياق الرسامة، تلقيت بدمعة تأثر وحبور، لحظات توشيحه بالعنفوان الحبري وأبهته، وما نطق به من خطاب مؤثر. وفي ختام الرسامة حملت الصليب في مقدمة موكب التطواف لدى الخروج الاحتفالي من باحة الدير. ولما كنت من جيل شمامسة وعلمانيين، بينهم وبين الأساقفة في تلك العهود مسافة بارزة، فإني، إن نسيت لن أنسى، كيف استقبلني مار لويس بعد اسقفيته، ببساطة وتواضع، وبزمالة وحنو، وضيفني في إحدى غرف المطرانية. وكنت في بلاد الاغتراب لدى تنصيبه البطريركي في العراق، فكان الحدث بمثابة الاحتفالية التي يعيشها ذوو القربى، في تكريم أحد افراد اسرتهم. بحيث كنت مع كهنة آخرين كمن يأخذ على عاتقه واجب تقديم الشكر لمن يعبرون عن الحبور والتهنئة في وسائل الميديا بهذه المناسبة.
المطرانان جبرائيل كساب، وأنطوان اودو: والشيء بالشيء يذكر، فإن العلماني، في ذلك الزمن، كان يحرص بأن يجعل نفسه في المقام المتواضع الذي يستحقه، في موقعه الكنسي بآخر السلم.. وهذا جعلني أتفاجأ مرة خرى، في أحد الأيام، لأكون أمام جيل من الأساقفة يتعاملون بتواضع الأخ الأكبر مع أخيه. من ذلك أنى عندما زرت المطران جبرائيل كساب في البصرة، برفقة مصور فرنسي لبناني، بول عسكر، لاستقبال ذخائر القديسة العظيمة تيريز الصغيرة، سنة 2002، أسقِط في يدي– تعجبا، عندما رأيت سيادته ينزل وبيده البطانيات لغرفتينا.
وفي ذكرى أخرى بهذا الشأن: لما رسم المطران انطوان اودو أسقفا، سنة 1992 وكنت عرفته راهبا صديقا ابان مرحلتي الدراسية في الخارج سنة 1977، صادف وان جاء إلى بغداد لمجلس عزاء المرحوم عمه في كنيسة القلب الأقدس. فأجرت سيارة تاكسي، إلى المكان ودلفت إلى القاعة، وجلست مباشرة في مكان بعيد، وارتويت ما استطعت من دموع التأثر، ثم تنفست الصعداء، وقولبت وجهي معيدا إليه ملامحه المعتادة، ثم تقدمت إلى سيادته بخفر الصغار، مع الاستعداد ان أسلم عليه وانسحب، في حالة أن منصبه الجديد يجعله في شَغَلٍ مع الكُـثر من الذين عرفهم من قبل. فإذا به يستغرق بالترحاب والحنو الاخوي، وإجلاسي إلى جانبه، في موقف مؤثر بقي محفورا في القلب والذاكرة.
التواصل الودّي بعد التنصيب البطريركي: وهكذا وبعد مدة من تنصيب مار لويس بطريركا سنة 2013، كان تواصل بالمراسلة مع غبطته. وسرعان ما حصل تعاون اعلامي وكتابة مستقرة في الموقع البطريركي. وساعدني على التمييز بين ما يمكن نشره في الموقع البطريركي، كمنبر للبطريركية، وما يمكن نشره في المواقع الإعلامية العلمانية، كتعبير عن الرأي. وكان في الوقت عينه، يستشيرني في المجالات ذات الصلة؛ ومن دهشتي كان يتقبل الملاحظة وينفذها، وكان في كل مرة يشكرني على أي مشورة، وكان التعبير عن الشكر على الدوام وكأنه لأول مرة. ولدى تكريمه بالقبعة الكاردينالية، بادرت رعية مار أدي في عهد المطران طيب الذكر مار باوي سورو، لحضور مع كهنتها هذا الحفل التاريخي في 28 حزيران 2018. كانت المناسبة عرسا روحيا، توافد اليها الأصدقاء والاقارب من كل حدب وصوب، وكان الكاردينال الجديد يستقبل مهنئيه بخفة ظل متفردة ودالة محبة غامرة، وبصراحة، كان يظهر لنا كأنه كاهن من عموم الكهنة.
السنة السبتية: وتواصلت السنوات، في ترسخ المودة والصداقة بين بطريرك كاردينال وكاهن بسيط مثل حظي. حتى زرع في قلبي الشوق، لأخذ إجازة سنة سبتيه من المطرانية الكاثوليكية، راعية خورنتي سانت فاميي– العائلة المقدسة- الكندية الفرنسية، وبإذعان من الأبرشية الكلدانية بكندا، على قبول تلك الاجازة لإمضاء تلك السنة في البطريركية بالعاصمة بغداد (ت ا 2018 – حزيران 2019). وكانت لعمري، تلك السنة السبتية (وثمة لعجبي من يسمّيها سنة سباتية..) كانت مدة عزيزة على القلب بذكرياتها الرائعة، بل إنها تستحق مقالا برمّته أو كتابا. ولكني أختتمها بالتنويه بأحداث شغف بارزة منها رعايتي لخورنة القلب الأقدس العزيزة بديلا عن المونسنيور ثائر الشيخ الذي كان يستعد للسفر إلى استراليا، لحين جاء بعده الأب الموسيقار والمرنّم أمير كمو. ومن الأحداث الأخرى أذكر أن مار لويس على ما تبيّن اقترح على العاهل البلجيكي الملك فيليب خلال مقابلتي شخصية بينهما، ان يستدعيني، وكنت انتظر في مكتب السكرتارية،لأنشد أمام جلالته الترتيلة الفيروزية (هذا هو اليوم الذي صنع الرب...) وأخيرًا وليس آخرا، أذكر تلك المبادرة الجميلة، عندما حصل لي نيافته على التوقيع الشخصي للبابا الراحل مار فرنسيس، على صورة مقربة سحبتها لقداسته ابنتنا المهندسة سوزان، ومن شدة اعتزازي بالصورة، ووضعها في مكان آمن، لم أعد أستطيع أن أجد لها أثرا وبقيت عندي صورة التوقيع فحسب...
وبعد، فلقد تميزت الأجواء التي عشتها في البطريركية، بكونها الأسرة المنسجمة، بكل افرادها وكوادرها، بروح الزمالة للاسقفين المعاونين آنذاك مار باسيليوس يلدو ومار روبرت سعيد، وبمهنية السكرتيرة الأخت الدكتورة اخلاص المقدسي والإعلامي ماهر يوسف الذي عمل معنا في تلك المدة، بطيبة الراهبات مع الشابة نيران، وصولا إلى كادر الحماية الذين لشد اعجابي بهم، رأيتهم في خدمتهم يجمعون بتناغم ونحو متفرد بين روح الشماسية الكنسية ومهنية الحماية في أداء الواجب.



