البطريرك الذي وقف في وجه العاصفة
لويس روفائيل ساكو… صوت الحقيقة بين الكنيسة والسلطة
بقلم: نافع شابو
في تاريخ الكنيسة لحظات استثنائية يصبح فيها الراعي أكثر من مجرد قائد روحي. يصبح شاهدًا للحقيقة، وصوتًا للضمير في زمن يسوده الخوف أو الصمت.
وفي تاريخ الكنيسة الكلدانية المعاصر يبرز اسم البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو كأحد هؤلاء الرعاة الذين وجدوا أنفسهم في قلب عاصفة سياسية وإعلامية معقدة، وهم يدافعون عن الكنيسة وحقوق أبنائها في العراق.
لم تكن مسيرة هذا البطريرك مجرد إدارة كنسية تقليدية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مواجهة مفتوحة مع قوى سياسية نافذة، ونفوذ مسلح، وأحيانًا حتى مع انقسامات داخل المجتمع المسيحي نفسه.
وعندما أعلن استقالته بعد سنوات طويلة من الخدمة، لم يكن ذلك مجرد حدث إداري في حياة الكنيسة، بل محطة تاريخية تختصر مرحلة كاملة من التحديات التي عاشها المسيحيون في العراق.
كنيسة في قلب العاصفة
منذ انتخابه بطريركًا للكنيسة الكلدانية عام 2013، وجد الكاردينال ساكو نفسه يقود الكنيسة في واحدة من أصعب المراحل في تاريخ العراق الحديث.
كانت البلاد تعيش سنوات من الاضطراب السياسي والأمني، وظهور الجماعات المتطرفة، وتهجير مئات الآلاف من المسيحيين من مناطقهم التاريخية في الموصل وسهل نينوى.
وفي ظل هذه الظروف لم يكن دور الكنيسة محصورًا في الرعاية الروحية فقط، بل امتد ليشمل الدفاع عن وجود المسيحيين وحقوقهم في وطنهم.
وقد كان صوت البطريرك ساكو حاضرًا في هذه المرحلة، داعيًا إلى السلام، ومدافعًا عن التعددية الدينية، ومؤكدًا أن المسيحيين ليسوا ضيوفًا في العراق بل جزء أصيل من تاريخه وحضارته.
أزمة المرسوم الرئاسي: بداية المواجهة
بلغت المواجهة بين الكنيسة والسلطة السياسية ذروتها عام 2023 عندما أُلغي مرسوم جمهوري كان يعترف بالبطريرك ساكو رئيسًا للكنيسة الكلدانية والمسؤول عن إدارة أوقافها.
كان هذا المرسوم قد صدر عام 2013 ليؤكد قانونيًا دور البطريرك في إدارة ممتلكات الكنيسة.
لكن قرار إلغائه أثار قلقًا واسعًا داخل الأوساط المسيحية، لأنه بدا وكأنه يمس الوضع القانوني للكنيسة ويفتح الباب أمام التدخل في إدارة أوقافها.
وقد عبّر البطريرك ساكو بوضوح عن رفضه لهذا القرار، واعتبره خطوة تمس كرامة الكنيسة وحقوقها التاريخية.
وقال في أكثر من مناسبة إن القضية ليست قضية شخص، بل قضية الكنيسة نفسها وحقها في إدارة ممتلكاتها التي حافظ عليها المسيحيون عبر قرون طويلة.
مواجهة النفوذ السياسي والميليشيات
في خضم هذه الأزمة ظهر صراع علني بين البطريرك ساكو وبعض الشخصيات السياسية التي ادعت تمثيل المسيحيين في الحياة السياسية العراقية.
وقد انتقد البطريرك هذا الواقع بوضوح، مؤكدًا أن تمثيل المسيحيين يجب أن ينبع من إرادتهم الحرة وليس من نفوذ سياسي أو عسكري.
كما تحدث علنًا عن محاولات للسيطرة على ممتلكات المسيحيين في سهل نينوى، محذرًا من أن استغلال اسم الأقليات في الصراعات السياسية يشكل خطرًا على مستقبلها.
وكان هذا الموقف جزءًا من دفاعه عن استقلالية الكنيسة وعن حق المسيحيين في إدارة شؤونهم بعيدًا عن الضغوط السياسية.
انسحاب احتجاجي هزّ المشهد
عندما تصاعدت الأزمة قرر البطريرك ساكو اتخاذ خطوة غير مسبوقة تمثلت في مغادرة مقر البطريركية في بغداد والتوجه إلى أربيل في إقليم كردستان.
كان هذا القرار بمثابة احتجاج أخلاقي وسياسي في آن واحد، ورسالة واضحة مفادها أن الكنيسة لا يمكن أن تقبل المساس بحقوقها أو استخدامها في صراعات السلطة.
وقد أثار هذا الموقف ردود فعل واسعة داخل العراق وخارجه، إذ رأى فيه كثيرون موقفًا شجاعًا يعكس رفض الكنيسة للتدخل السياسي في شؤونها.
وبعد أشهر من الأزمة صدر قرار حكومي جديد أعاد الاعتراف بالبطريرك ساكو مسؤولًا عن أوقاف الكنيسة، وهو ما اعتُبر إنهاءً رسميًا للأزمة وتأكيدًا لحقوق الكنيسة القانونية.
صوت ينتقد الفساد والطائفية
لم يكن البطريرك ساكو يدافع عن المسيحيين فقط، بل كان من بين الأصوات القليلة التي تحدثت بصراحة عن ضرورة بناء دولة المواطنة في العراق.
فهو كان يؤكد أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يقوم على الطائفية أو المحاصصة السياسية، بل على احترام كرامة الإنسان والمساواة بين جميع المواطنين.
وفي العديد من خطاباته شدد على أن التنوع الديني والقومي في العراق ليس مشكلة بل ثروة حضارية يجب الحفاظ عليها.
كما دعا إلى إصلاح نظام تمثيل الأقليات في البرلمان، حتى لا تتحول مقاعد الكوتا إلى أدوات في الصراع السياسي بين القوى الكبرى.
حملات التشويه والاتهامات
لكن المواقف الصريحة غالبًا ما يكون ثمنها باهظًا.
فخلال السنوات الأخيرة تعرض البطريرك ساكو لحملات انتقاد وتجريح في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وقد تضمنت هذه الحملات اتهامات سياسية ودينية، بعضها لم يستند إلى أدلة واضحة.
والمؤلم أن بعض هذه الانتقادات جاءت أحيانًا من داخل الوسط المسيحي نفسه، مما ساهم في خلق انقسامات داخل مجتمع يواجه أصلًا تحديات وجودية كبيرة.
لكن البطريرك لم يدخل في صراعات شخصية، بل كان يكرر أن رسالته ليست الدفاع عن نفسه بل الدفاع عن الكنيسة وكرامة الإنسان.
رجل لا يملك شيئًا… إلا خدمته
رغم مكانته الكنسية الرفيعة، كان غبطة البطريرك لويس روفائيل ساكو يحرص دائمًا على التأكيد أنه يعيش حياة بسيطة.
فقد أعلن في أكثر من مناسبة أنه لا يملك بيتًا خاصًا ولا سيارة فاخرة، وأن ما يملكه من المال هو مدخرات بسيطة من راتبه الكهنوتي خلال أكثر من خمسين عامًا من الخدمة.
وكان يرى أن ثروة الكنيسة الحقيقية ليست في المال أو النفوذ، بل في الإيمان وخدمة الناس.
لماذا قدّم استقالته؟
بعد سنوات طويلة من الخدمة الكنسية، جاء قرار البطريرك ساكو بتقديم استقالته ليشكّل محطة مهمة في مسيرته.
ولا يمكن فهم هذا القرار بعيدًا عن الظروف الصعبة التي عاشها خلال السنوات الأخيرة:
ضغوط سياسية وإعلامية، وتوترات داخلية، إضافة إلى التحديات الكبيرة التي واجهت الكنيسة في العراق.
كما أن البطريرك كان قد بلغ سنًا متقدمة بعد أكثر من خمسين عامًا من الخدمة الكهنوتية وأكثر من عقد من الزمن في قيادة الكنيسة الكلدانية.
وفي تقاليد الكنيسة الكاثوليكية كثيرًا ما يختار القادة الكبار تقديم استقالتهم عندما يشعرون أن الوقت قد حان لتسليم المسؤولية إلى جيل جديد.
ولهذا يمكن النظر إلى استقالته ليس كانسحاب، بل كخطوة تعكس روح المسؤولية والتواضع في خدمة الكنيسة.
إرث سيبقى في الذاكرة
عندما يكتب المؤرخون تاريخ الكنيسة الكلدانية في القرن الحادي والعشرين، سيجدون أن مرحلة البطريرك ساكو كانت واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا.
فقد قاد الكنيسة في زمن الحروب والتهجير وصعود الإرهاب والصراعات السياسية.
ورغم العواصف التي واجهها، حاول أن يبقي صوت الكنيسة صوتًا للحقيقة والعدالة والسلام.
ولهذا سيذكره كثيرون بوصفه أحد الرعاة الذين حملوا أمانة الكنيسة في زمن صعب، ودافعوا عن كرامة الإنسان وعن حضور المسيحيين في أرضهم التاريخية.
خاتمة
قد يجد الراعي نفسه أحيانًا وحيدًا في مواجهة العاصفة، لكن التاريخ غالبًا ما ينصف الذين اختاروا طريق الحق.
وفي زمن كثرت فيه الحسابات السياسية والمصالح الضيقة، بقي صوت البطريرك لويس روفائيل ساكو صوتًا يذكّر بأن رسالة الكنيسة ليست السلطة، بل الشهادة للحقيقة.
ولهذا ستبقى مسيرته علامة مضيئة في تاريخ الكنيسة الكلدانية المعاصر، وشهادة على أن الراعي الحقيقي لا يخاف من قول الحق مهما كان الثمن.
