إلى غبطة الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو الكلي الطوبى
الراعي الذي عبر العواصف و ترك شهادته الحية بتاريخ مشرف
د. عمانوئيل سليم
في اللحظة التي قررت فيها أن تضع عصا الراعي جانباً، لم تكن تستقيل من قلوبنا، بل كنت تعلن استقالة “الحق” من زمنٍ لم يعد يتسع إلا للصدى. إنها ليست مجرد خطوة إلى الوراء، بل هي وقفة شموخ أمام ريحٍ أرادت اقتلاع الجذور، فأثبتَّ أن الجذور التي سقاها الإيمان لا تُقتلع، وإن غاب عنها الرداء الرسمي.
ليست استقالتك مجرد خبر عابر في نشرات الأنباء، بل هي غصة في قلوب المؤمنين بك ، وندبة جديدة في جسد الهوية العراقية الوطنية. حين يقرر قامة دينية ووطنية بهذا الحجم التنحي، فإن المشاعر التي تفيض ليست سياسية فحسب، بل هي مشاعر إنسانية وجودية تتعلق بالأمان والاعتراف.
لقد كنت دائماً ذلك الجسر الذي يرفض أن ينقطع؛ الجسر الذي يربط مآذن بغداد بأجراس نينوى، والبيت العراقي الواحد بشتات المهجر. واليوم، ونحن نرقب هذا الغياب الاختياري، نشعر ببردٍ يسكن الروح، كأنما انطفأ قنديلٌ كان يضيء عتمة الحيرة في عيون الأقليات والمهمشين.
يا حامل أوجاع “أور” و”نينوى” في قلبك الصابر. حين قررت الترجل، لم تكن تترك كرسياً، بل كنت ترفع صليب “الحقيقة” عالياً في وجه رياحِ الجحود.
إن موقفك هذا هو “تطويبٌ” عملي للكرامة المسيحية. لقد علّمتنا أن الكنيسة ليست جدران من حجر أو مراسيم من ورق، بل هي شهادةٌ للحق. استقالتك هي صلاةٌ صامتة، احتجاجٌ إنجيلي بوجه الظلم، وتذكيرٌ بقول السيد المسيح: “تَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ”. لقد اخترت أن تتحرر من قيود المناصب لتبقى حراً في قول كلمة “لا” التي يخشاها العبيد.
أنت الذي لم ترَ في العراق خارطة ممزقة، بل رأيته ثوباً واحداً منسوجاً من خيوط المآذن والناقوس. لم تكن بطريركاً للكلدان فحسب، بل كنت أخاً لكل عراقي آمن بأن دجلة والفرات لا يفرقون بين عطشٍ وعطش. لقد أثبتَّ أن العراقي الأصيل هو من يختار المنفى أو الصمت على أن ينكسر أمام تجار الهويات الزائفة.
نحن نتضامن مع صمتك الصاخب، لأنه أبلغ من كل الخطابات. نتضامن مع غضبك المقدس الذي لم يكن يوماً لنفسك، بل كان دائماً لأجل كرامة الإنسان، ولأجل وطنٍ حلمتَ بأن يكون وطناً للجميع، لا إقطاعية لأحد.
إن استقالتك هي تذكير لنا جميعاً بأن الرموز لا تُصنع بمرسوم، ولا تُلغى بسحبِ ورق. فالكاردينال الذي سكن القلوب بكلمة الحق، سيبقى بطريركاً في وجدان كل من آمن بأن “المواطنة” هي الصليب الذي نحمله جميعاً لنصل إلى قيامة العراق.
يا حارس الأجراس، إن صوتك الذي بحَّ وهو ينادي بالعدل سيبقى يتردد في أروقة التاريخ. وإن كُنّا نشعر اليوم باليتم، فإننا نستمد من شجاعتك القوة لنقول: إن القامات الكبيرة لا تنحني للعواصف، بل تتركها تمرّ، لتبقى هي شاهدةً على أن الحق يبقى هو المنتصر الأخير.
“ليست الاستقالة نهاية الطريق، بل هي صرخة الضمير التي ستظل تطارد كل من ظن أن بإمكانه مصادرة الروح أو خنق الحقيقة.”
سيشهد التاريخ أنك لم تساوم على رعية، ولم تتاجر بقضية. ستبقى في وجداننا ذلك الراعي الذي، حتى وهو يغادر المشهد الرسمي، يترك خلفه عطراً من الثبات، وأثراً لا يمحوه غبار السياسة. إن العراق الذي يحمل في طياته دماء الشهداء وقلق القديسين، يعرف جيداً أنك ابنه البار الذي ضحى باللقب ليحفظ الهيبة.
“إن النخلة العراقية قد تميل بفعل العواصف، لكنها لا تنكسر؛ وأنت اليوم، بصمودك هذا، نخلةٌ باسقة في وجه رمال الغدر الشاردة.”
